جلال الدين السيوطي
121
الأشباه والنظائر في النحو
مبيّنة حكما جديدا لغيره . فهذا هو الذي خطر لي في ذلك وبه يتبيّن أنّه لا فرق بين قولك « قام رجل لا زيد » وقولك « قام زيد لا رجل » ، كلاهما ممتنع إلّا أن يراد بالرجل غير زيد ، فحينئذ يصحّ فيهما إن كان يصحّ وضع « لا » في هذا الموضع موضع « غير » ، وفيه نظر وتفصيل سنذكره ، وإلّا فنعدل عنها إلى صيغة « غير » إذا أريد ذلك المعنى . وبين العطف ومعنى « غير » فرق ، وهو أنّ العطف يقتضي النفي عن الثاني بالمنطوق ولا تعرّض له للأوّل إلّا بتأكيد ما دلّ عليه بالمفهوم إن سلم ؛ ومعنى « غير » يقتضي تقييد الأول ، ولا تعرّض له للثاني إلّا بالمفهوم إن جعلتها صفة ، وإن جعلتها استثناء فحكمها حكم الاستثناء في أنّ الدّلالة هل هي بالمنطوق أو بالمفهوم وفيه بحث . والتفصيل الذي وعدنا به هو أنّه يجوز « قام رجل غير عاقل » و « امرر برجل غير عاقل » و « هذا رجل لا امرأة » و « رأيته طويلا غير قصير » ، فإن كانا علمين جاز فيه « لا » و « غير » . وهذان الوجهان اللذان خطرا لي زائدان على ما قاله السّهيلي والأبّدي من مفهوم الخطاب ، لأنّه إنّما يأتي على القول بمفهوم اللّقب ، وهو ضعيف عند الأصوليين ، وما ذكرته يأتي عليه وعلى غيره . على أنّ الذي قالاه أيضا وجه حسن ، يصير معه العطف في حكم المبيّن لمعنى الأول من انفراده بذلك الحكم وحده ، وللتصريح بعدم مشاركة الثاني له فيه ، وإلّا لكان في حكم كلام آخر مستقل ، وليس هو المسألة . وهو مطّرد أيضا في قولك « قام رجل لا زيد » ، و « قام زيد لا رجل » لأنّ كليهما عند الأصوليّين له حكم اللّقب . وهذا الوجه مع الوجهين اللذين خطرا لي إنّما هي في لفظة « لا » خاصّة ، لاختصاصها بسعة النفي ، ونفي المستقبل ، على خلاف فيه ، ووضع الكلام في عطف المفردات لا عطف الجمل ، فلو جئت مكانها ب « ما » أو « لم » أو « ليس » وجعلته كلاما مستقلّا لم تأت المسألة ولم تمتنع . وأما قول البيانيّين في قصر الموصوف إفرادا : « زيد كاتب لا شاعر » فصحيح ، ولا منافاة بينه وبين ما قلناه . وقولهم : عدم تنافي الوصفين ، معناه أنّه يمكن صدقهما على ذات واحدة بخلاف الوصفين المتنافيين ، وهما اللّذان لا يصدقان على ذات واحدة ، كالعالم والجاهل ، فإنّ الوصف بأحدهما ينفي الوصف بالآخر لاستحالة اجتماعهما ، وأما شاعر وكاتب فالوصف بأحدهما لا ينفي الوصف بالآخر لإمكان اجتماعهما في شاعر كاتب ، فإنّما يجيء نفي الآخر إذا أريد قصر الموصوف على أحدهما بما تفهمه القرائن وسياق الكلام . فلا يقال مع هذا كيف يجتمع كلام البيانيّين مع كلام السّهيلي والشيخ لظهور إمكان اجتماعهما . وقولك في آخر كلامك : وبين كاتب وشاعر عموم وخصوص من وجه أحاشيك